نتائج انتخابات السابع من أكتوبر والقطبية المزعومة

المصدر: الموقع الإليكتروني لحزب العدالة والتنمية

من المضحك حقا أن يخرج بعض المنظرين للسلطوية في “تحليلهم” و”قراءتهم” لنتائج انتخابات السابع من أكتوبر  ليقولوا إنها أفرزت ثنائية قطبية بين تيار حداثي تقدمي تنويري يقوده الحزب المعلوم وتيار محافظ رجعي ظلامي يقوده “العدالة والتنمية”.
هي محاولة منهم لتزييف الوقائع والمعطيات ولصباغة حزب غير حقيقي بصبغة العذرية السياسية وإعطائه شرعية انتخابية موهومة، كل ذلك ضدا على عدد من الحقائق السياسية والاجتماعية والمذهبية الوطنية والدولية، المنظرون للتحكم هم في الحقيقة اخطر من التحكم في ذاته لأنهم يسهمون أو يحاولون تزييف الوقائع وقلب الحقائق .

في العالم كله تراجع التقاطب الإيديولوجي الهوياتي ليحل محله ميل الى الوسط ليس فقط على مستوى الاختيارات السياسية والاقتصادية والمجتمعية بل أيضا حتى على مستوى الاختيارات العقدية والمذهبية أيضا.
سبق الغرب الرأسمالي إلى ما يسمي بالديمقراطية الاجتماعية التي هي تأليف من جهة بين مبادئ السوق في الاقتصاد وبين دولة الرفاه الاجتماعي مما يعني في نفس الوقت تبني الليبرالية في الاقتصاد والفكر والقيم ولكن مع توفير حد مقبول من الضمانات الاجتماعية وذلك بعد أن فشلت الليبرالية المتوحشة من جهة وفشلت الدولة الاشتراكية المركزية، وتحولت الى نوع جديد من البيروقراطية و”البورجوازية الرفاقية ” المتوحشة .

وفي المعسكر الشيوعي تبنت الصين بقيادة دينغ هيسياو بنغ نموذجا مختلطا قام على الانفتاح التدريجي على اقتصاد السوق ( نظام السوق الموجه ) مع الإبقاء على أشكال من أنظمة الملكية الجماعية مع رفع يد الدولة تدريجيا عن مبادرة الأشخاص والجماعات.
لم يقف الأمر عند ذلك فقد شهد الغرب أيضا تبلور ديمقراطيات مسيحية على شكل أحزاب تتبنى الديمقراطية الليبرالية ولكن تدافع عن القيم الدينية المسيحية بحيث تعطي الاعتبار للأسرة وترفض التوجهات الإباحية والإجهاض والفوضى الجنسية وهلم جرا .
في العالم كله هناك عودة كبيرة إلى الدين في الغرب وبروز اكبر لدوره في المجتمع ، وأوروبا بما فيها دولها التي تبنت الصيغ الأكثر تطرفا رفعت في مواجهة انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي المكون اليهودي – المسيحي لهويتها المسيحية، وفيها كما في قارة أمريكا دول لم تتنكر لهويتها الدينية وبقيت للكنيسة مكانتها في الدولة و النظام السياسي حيث لم تتبن المقاربة اللائكية الفرنسية المتطرفة .
أما فيما يتعلق ببلدنا، فانه لمن المغالطات الكبرى والتجني على الواقع وعلى العلم والمعرفة والسوسيولوجيا السياسية الحديث عن تقاطب جديد في الساحة المغربية .

الواقع أن الحزب المذكور ليس في الأصل حزبا سياسيا حقيقيا سواء بالمعنى التنظيمي آو بالمعنى الإيديولوجي. الأحزاب الحقيقية تتبلور على نار هادية وضمن سيرورة اجتماعية وتراكم نضالي يفرز رموزا ثقافية وسياسية ومدنية، ويفرز طرحا إيديولوجيا يتعرف جزء من المجتمع فيه عن نفسه، ويصبح موضوعيا مدافعا عن مصالحه . في حين  أن ذلك الحزب إنما هو صناعة تحكمية محضة .
فمنذ اليوم الأول عرف نفسه وحدد وظيفته، ليس من خلال تصور إيديولوجي محدد أو برنامج سياسي تبلور بناء على ذلك ، لقد صرح منذ اليوم الأول  أن برنامجه يجد أصوله في تقرير الخمسينية، وان وظيفته تتحدد في مواجهة والتصدي لحزب العدالة والتنمية .

وعلى عكس قوانين الاجتماع السياسي التي تبين أن الأحزاب وبروزها إنما هو نتيجة حركيّة مجتمعية تفرز نخبا سياسية يتم تصعيدها نحو السلطة وتدبير الشأن العام ، فان حزب الأصالة والمعاصرة نزل من فوق ، أي خرج إلى الوجود في أحضان السلطة ويشتغل بعدد من آلياتها ومنطقها.
فكيف يمكن أن تنطبق على هذا الكيان مواصفات الحزب السياسي بالمعنى السوسيولوجي؟؟

الأحزاب السياسية الطبيعية تنبني على قدر معتبر من الانسجام في المنطلقات والقناعات الإيديولوجية والانتماءات السيوسيولوجية، بينما الحزب المعلوم خليط هجين من بقايا وفلول اليسار الجذري والأعيان وأصحاب المصالح والرحل الذين لا يستقر لهم قرار وكل انتخابات وهم في شان، قام الحزب على السطو على أحزاب أخرى ودخل منذ اليوم الأول في مواجهة مع قياداتها لما تحول الاندماج من عملية إرادية متفاوض حولها الى عملية تسلطية.
الأحزاب السياسية تستجيب لطلب اجتماعي وتمثيل فئات اجتماعية والتعبير عن مطالبها، في حين أن الحزب المذكور يستجيب لحاجة للضبط والتحكم في المجال السياسي. وهناك عدد من المعطيات والوقائع الدالة التي تؤكد نتائج انتخابات السابع من أكتوبر، إذ أن النتائج التي حصل عليها “الحزب المعلوم” لا تعبر عن تجذر اجتماعي ولا عن تصويت ذي دلالة سياسية من قبيل أنه حزب أصبح يمثل توجها سياسيا أو إيديولوجيا أو يمثل مصالح فئات من المواطنين او يعبر عنها.

نتذكر أن زعيم الحزب المذكور جاء بطرق غير طبيعية إلى رئاسة الجهة بعد أن فاز بمقعد جماعي في مسقط رأسه دون منافسة كبيرة. ونعلم أن رئيس هذا الحزب الذي كان سيكون رئيسا لحكومة المغرب لا يمتلك أدنى شرعية انتخابية لا على مستوى الجهة بل حتى على مستوى حزبه حيث جاء محمولا إلى رئاسة حزبه دون منافس وفي أسرع ” انتخابات ” عرفتها الكرة الأرضية .
وهناك أحد قياديي الحزب ومستشاريه في البرلمان ممن يجيد نفخ الأحبال الصوتية والتدليس على المواطنين، ممن جاء إلى الغرفة الثانية محمولا على ظهر نقابة لم يكن له بها سابق ارتباط نضالي أو عضوي مما نتج عنه تصدع في النقابة المذكورة ومغادرة عدد كبير من أطرها المؤسسة .

هو الحزب الذي أدخل ظاهرة الترحال البئيسة وهو الحزب الذي كان سببا في تقديم اكبر عدد من النواب البرلمانيين من مجلس النواب ليتمكنوا من الترشيح على لوائحه ، ولذلك فقد توسعت ترشيحاته ليس بناء على ما رباه وكونه من اطر حزبية تدرجت في مدارج التنظيم الحزبي والمنظمات الموازية والنضال اليومي ، بل من خلال الحديقة الخلفية لأحزاب حليفة.

هو الحزب الذي استفاد من عمليات السطو على عدد من الأعيان والوجوه الانتخابية في مختلف الأحزاب سواء من تلك التي كانت معه في المعارضة أو من بعض أحزاب الأغلبية التي كانت لها معه علاقات سابقة ولاحقة.
هو الحزب الذي اشتغل بأساليبه السلطوية المعروفة أي من خلال آليات الترغيب والترهيب كي يزيح منافسين محتملين له في عدد من الدوائر الانتخابية حتى يضمن فوزه بمقعد من مقاعدها .

أن يكون السلوك السياسي والانتخابي لهذا الحزب السلطوي بهذا السوء والإفساد للحياة السياسية والاجتماعية للمغرب أمر مفهومة حيثياته ومعطياته، لكن ما هو أخطر منه هو ما يقوم به بعض “المحللين” و”المنظرين” للسلطوية من محاولات لتبييض وجهها وتطبيع وجودها والسعي لإيجاد شرعية معينة لها بحثا لها عن عذرية مفقودة .

نتائج انتخابات السابع من أكتوبر عرَّت بطريقة نهائية سوءة الحزب التحكمي بل نستطيع أن نجزم بأنها دقت جرس نهايته، نتائج انتخابات السابع من أكتوبر كشفت بالملموس أن حقيقة الاستقطاب الموجود اليوم هو الاستقطاب ما بين جبهة البناء الديمقراطي والتطبيع مع الديمقراطية وبين جبهة التحكم والممانعة للإصلاح للتغيير.

هو ذَا الاستقطاب الحقيقي الذي آن لكل الأحزاب الوطنية أن تتموقع فيه بوضوح وان تختار في أي جهة ينبغي أن تضع قدماها إن كانت تريد أن تحافظ لنفسها على مكانة ودور في الساحة . التحكم والسلطوية إلى زوال والاصطفاف مع التحكم لا ترجى منه منفعة بل هو خسارة مؤكدة أصبحت ماثلة للعيان . وليس من رأى وجرب كمن سمع .
فهل سيقف هؤلاء على أرضية الحقيقة الصلبة التي كشفت عنها انتخابات السابع من أكتوبر أم سيواصلون تضييع الوقت في العيش على الأوهام وتوزيعها.
محمد يتيم

Share Button

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*